ابن كثير

127

البداية والنهاية

وبمكة أخرى ( 1 ) . وقد رواه مسلم من حديث زهير وأخرجاه من حديث شعبة . زاد البخاري وإسرائيل ثلاثتهم عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ، عن زيد به . وهذا الذي قال أبو إسحاق من أنه عليه السلام حج بمكة حجة أخرى أي أراد أنه لم يقع منه بمكة إلا حجة واحدة ما هو ظاهر لفظه فهو بعيد ( 2 ) فإنه عليه السلام كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج ويدعو الناس إلى الله ويقول : " من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي عز وجل " حتى قيض الله جماعة الأنصار يلقونه ليلة العقبة أي عشية يوم النحر ، عند جمرة العقبة ثلاث سنين متتاليات ، حتى إذا كانوا آخر سنة بايعوه ليلة العقبة الثانية ، وهي ثالث اجتماعه لهم به ثم كانت بعدها الهجرة إلى المدينة كما قدمنا ذلك مبسوطا في موضعه . والله أعلم . وفي حديث جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله . قال : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تسع سنين لم يحج ، ثم أذن في الناس بالحج فاجتمع بالمدينة بشر كثير ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة أو لأربع ، فلما كان بذي الحليفة صلى ثم استوى على راحلته فلما أخذت به في البيداء لبى ، وأهللنا لا ننوي إلا الحج . وسيأتي الحديث بطوله وهو في صحيح مسلم وهذا لفظ البيهقي ( 3 ) من طريق أحمد بن حنبل عن إبراهيم بن طهمان عن جعفر بن محمد به . باب خروجه عليه السلام من المدينة لحجة الوداع بعد ما استعمل عليها أبا دجانة بن حرشة الساعدي ، ويقال سباع بن عرفطة الغفاري قال محمد بن إسحاق : فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو القعدة من سنة عشر تجهز للحج ، وأمر الناس بالجهاز له فحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج لخمس ليال بقين من ذي القعدة وهذا إسناد جيد ، وروى الامام مالك في موطائه : عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عمرة ، عن عائشة . ورواه الإمام أحمد عن عبد الله بن نمير ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عمرة عنها . وهو ثابت في الصحيحين وسنن النسائي وابن ماجة ومصنف ابن أبي شيبة : من طرق عن يحيى بن

--> ( 1 ) فتح الباري باب حجة الوداع الحديث 4404 . ( 2 ) كانت قريش في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج ، إلا من لم يكن بمكة أو عاقه ضعف ، وكانوا يرون إقامة الحج من مفاخرهم التي امتازوا بها على العرب ، فكيف بالنبي أن يتركه ؟ قال ابن حجر : إنه صلى الله عليه وآله لم يترك الحج وهو بمكة قط . ( 3 ) دلائل النبوة ج 5 / 432 .